محمد أبو زهرة
1340
زهرة التفاسير
والأمران مرادان معا ، فإن مقتضى النص أن نأخذ جميعا بالشريعة كلها ، لا نفرق بينها ، ولا نتفرق في أمرها ؛ ولذا قال سبحانه : وَلا تَفَرَّقُوا أي لا تتفرقوا في أنفسكم ، فلا يضرب بعضكم رقاب بعض ، ولا تتنادوا بنداء الجاهلية ، ولا تتفرقوا في دينكم ، فتذهبوا في فهمه شيعا وفرقا مختلفة ، فتضلوا عن سبيل اللّه ، ولا شئ يذهب بنور الحق المبين أكثر من اختلاف الأنظار في فهمه وإدراكه ، والنظر إليه بروح التعصب الذي يغفل عن الاتجاه إلى الحق في كل جوانبه ، ولذلك جاء النهى عن التفرق في الدين ، فقد قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ . . . ( 159 ) [ الأنعام ] ولقد توقع النبي صلى اللّه عليه وسلم الافتراق لأمته ، وأنه سيكون سبب ضعفها ، وأن عودة قوتها في عودة اجتماعها ، ولذا قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل ، وإن بني إسرائيل تفرقت اثنتين وسبعين ملة ، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ، كلهم في النار إلا واحدة ، قالوا : ومن هي يا رسول اللّه ؟ قال : ما أنا عليه وأصحابي » « 1 » . وإن الطريق للخروج من الافتراق هو الذهاب إلى لب الدين بإخلاص ، ومن غير انحراف إلى طائفة دون أخرى ، ولذا قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « من فارق الدنيا على الإخلاص للّه وحده لا شريك له ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، مات واللّه عنه راض » « 2 » فإنه لا يفرق إلا الأهواء ، ولا يهدى إلا الإخلاص ، فإذا سيطرت الأهواء المنحرفة ، سرى الضلال إلى النفس وإلى الفكر ، ولذا قال صلى اللّه عليه وسلم : « إنه سيخرج من أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله » « 3 » .
--> ( 1 ) رواه الترمذي : الإيمان - ما جاء في افتراق هذه الأمة ( 2565 ) . ( 2 ) رواه ابن ماجة : المقدمة - الإيمان ( 69 ) عن أنس بن مالك رضي الله عنه . ( 3 ) جزء من حديث رواه أبو داود : السنة - شرح السنة ( 3981 ) .